ابن الجوزي
92
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر وحسن فعل كما يجزى سنمّار وقال آخر : جزاني جزاه الله شرّ جزائه جزاء سنمّار وما كان ذا ذنب [ 1 ] وكان النعمان هذا قد غزا الشام مرارا ، وسبى وغنم ، وكان أشدّ الملوك نكاية في عدوّه ، وكان ملك فارس قد جعل معه كتيبتين يقال لإحداهما : دوسر وهي لتنوخ ، والأخرى : الشهباء وهي لفارس [ 2 ] فكان يغزو بهما بلاد الشام ، ومن [ 3 ] لم يدن له من العرب . وإنه جلس يوما في مجلسه من الخورنق ، فأشرف منه على النّجف وما يليه من البساتين والنخيل والأنهار مما يلي المغرب ، وعلى الفرات ممّا يلي المشرق [ 4 ] في يوم من أيام الربيع ، فأعجب بما رأى من الخضرة والأنهار فقال لوزيره : هل رأيت مثل هذا المنظر قطَّ ! فقال : لا ، لو كان يدوم ! ؟ . قال : فما الَّذي يدوم ؟ قال : ما عند الله في الآخرة . قال : فبم ينال ذلك ؟ قال : بترك الدنيا وعبادة الله . فترك ملكه من ليلته ، ولبس المسوح ، وخرج مستخفيا هاربا لا يعلم به أحد ، وأصبح الناس لا يعلمون بحاله . وفي ذلك يقول عديّ بن زيد [ 5 ] : وتبيّن ربّ الخورنق إذ أصبح يوما وللهدى تفكير سرّه حاله وكثرة ما يلقاه والبحر معرض والسّدير فارعوى قلبه فقال وما غبطة حيّ إلى الممات يصير [ 6 ] وكان ملك النعمان إلى أن تركه وساح في الأرض تسعا وعشرين سنة وأربعة
--> [ 1 ] البيت من الحيوان 1 / 23 ، وثمار القلوب 109 ، والروض الأنف 1 / 67 ، والطبري 2 / 66 . [ 2 ] في ت : « والأخرى الشهباء ، فدوسر لتنوخ والشهباء لفارس » . [ 3 ] « من » سقطت من ت . [ 4 ] في الأصل : « ما يلي الغرب وعلى الفرات مما يلي الشرق » . [ 5 ] في الأصل زيادة : « حيث يقول » . [ 6 ] الأبيات في الأغاني 2 / 139 ، والطبري 2 / 68 .